![]() |
| طرابلس أثناء حكم القذافي-صورة أرشيفية |
هذا الموضوع كتبته بعد زيارة لليبيا أثناء حكم القذافي
كان عاماً مشحوناً بالأحداث الاقتصادية عندما قررت جريدة "جلف نيوز"، التي كنت أعمل بها حينها، إيفادي إلى طرابلس ضمن وفد صحفي لحضور افتتاح خط دبي-طرابلس الجوي بعد أعوام وأعوام من فرض العقوبات الاقتصادية الدولية على ليبيا.
حينها لم أرحب كثيراً بالزيارة ولكنني لم أرفضها...أردت بالقطع استكشاف تلك الجماهيرية الغامضة التي يحكمها رجل معتوه ولديه إبنة جميلة لطالما امتلأت وكالات الأنباء العالمية بروايات حول بذخها وولعها بدور الأزياء الإيطالية والملابس الجلدية والمجوهرات والصبغة الشقراء!
بدأت أستعد للرحلة فبادرت بالاتصال بقسم العلاقات العامة في طيران الإمارات من أجل إرسال نسخة من جواز سفري والاستفسار عن مستلزمات الرحلة، فصفعني مضيفنا بجملته:" سنقيم في الفندق الكبير ذو الخمسة نجوم ولكنني أنصحك بأن تجلبي معك مناشفك الخاصة لأن مناشف الفندق كانت جيدة منذ 20 عاماً"؟؟!!
لم أدري حينها كيف أتفاعل مع جملته...إندهشت واستغربت ثم ضحكت عالياً ولكنني عملت بنصيحته التي استوعبت دقتها وصحتها بعد وصولي إلى الفندق الكبير ذوالخمسة نجوم!!
جاء يوم السفر...فإذا بوالدي الإعلامي يصفعني بجملة أخرى لازمتني طوال رحلتي في الجماهيرية الـ"شارلوك هولمزية" !!! قال لي والدي :"أرجو أن تبقي فمك السليط مغلقاً لحين خروجك من جماهيرية المجنون ووصولك إلى القاهرة"، التي خططت لزيارتها بعد طرابلس.
ولأنني أثق في خبرة والدي الإعلامية الطويلة وتجاربه المثيرة مع الأنظمة الحاكمة "المتنوعة" في وطننا العربي المرهق، إرتأيت مراقبة كل ما حولي في صمت وإغلاق "فمي السليط" واختزان ما أراه وأسمعه في ذاكرتي لحين تفجره من داخلي عندما يأتي الأوان.
بدأت رحلتي من مطار دبي الدولي بحوارات شيقة مع مرافقينا من مسؤولي طيران الإمارات وزملائنا الصحفيين، وصعدنا الطائرة، فإذا بمن زار ليبيا سابقاً يصعقني بعبارات وعبارات وعبارات صعب على عقلي إستيعابها كلها حينها.
وصلنا مطار طرابلس، فإذا بالسلطات الليبية "الرسمية" تغدقنا بالترحاب والكلمات والخطابات الرنانة، فتحول صمتي إلى ابتسام ساخر لم تتمكن ملامح وجهي من إخفائه عن زملائي الذين استفشيت في خواطرهم ما أشعر به.
غادرنا المطار وتوجهنا إلى الفندق فلفتت نظري المساحة الخضراء الممتدة والتربة الحمراء الخصبة فشعرت بألفة صادقة مع الطبيعة الخالدة.
زادت غبطتي عندما غمرنا مرافقونا الليبيون بحفاوة طرابلسية بديعة، خاصة عندما علموا أن أربعة من الصحفيين مصريون، فتذكرت حينها حكاوى عمي- رحمه الله- الذي عاش في بنغازي طويلاً وابنة عمي المتزوجة من ليبي وبناتها المتزوجات من ليبيين أيضاً.
وصلنا الفندق الكبير فسرعان ما تحولت غبطتي إلى ترقب ثم ضحك متواصل!!...
مبنى متهالك...عمال وموظفون متجهمون...!!...رتابة سياحية...!!...جهاز فاكس لا يعمل إلا بإذن موظف "أمن" طبعاً..!! ...مقهى للإنترنت على بعد شارعين يعمل لمدة ساعتين يومياً فقط...!!
إذاً...كيف لي أن أقوم بعملي الصحفي؟! .. لم أيأس...لم أغضب كعادتي...وقررت أن أتعامل مع تفاصيل ليبيا على طريقة الكاتب الأيرلندي الساخر العظيم برنارد شو، واختزان كل شئ داخلي على طريقة رواية "مزرعة الحيوانات" للكاتب الإنجليزي العبقري جورج أورويل.
رسمت ابتسامتي على وجهي وصعدت غرفتي لتستقبلني عاملة النظافة ببساطة أراحت ترقبي و لكن سرعان ما أزالتها عن وجهي مناشف الفندق التي صممت أن تكون أول ما أتفقده!!
هي بالفعل كانت "متميزة" منذ 20 عاماً، مثلما كان جهاز تلفاز "قار يونس" الذي حاولت جاهدة أن يبث في عصر "الدش" شيئاً آخر غير قناة الجماهيرية!!
ظننت أنني جاهلة كعادتي بعالم الإلكترونيات والتكنولوجيا فقررت أن أتصل بزملائي في غرفهم لأستكشف كيفية استخدام جهاز الـ"ريموت كونترول"، فإذا بالفندق الكبير يفاجئني بنكتة أخرى، حيث لا يُمكن للنزيل أن يتصل مباشرة بغرفة أخرى، و لا يتم ذلك إلا عبر موظف الهاتف المتخصص بالتصنت على المكالمات لحين إنتهائها وبعد أن يسأل النزيل: " هل إنتهيت الآن؟ ...حسناً...إغلق الخط"...!!
رغم كل هذه النكات الهزلية، قررت ألا يشوب شيئاً رغبتي في إكتشاف الجماهيرية، فاستمتعت ليلتها بجلسة بديعة من التراث والرقص والغناء الليبي الشعبي، وبالمقاهي البسيطة الدافئة على كورنيش طرابلس المتوسطي،والذي لو كان قد قدر له دخول عالم الشهرة، لتغنت لسحره أعذب الأصوات وكتبت لمياهه أجمل الأبيات.
وللحديث بقية...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق