لم يخطر ببالي يوماً أن أدرس ردود أفعالي أو أن أعبر عن انفعالاتي منذ قيام
الثورة المصرية...المشاعر احتبست واختلطت وتاهت ولكنني أكاد أجزم أن كل مصري مغترب
شعر بنفس الأحاسيس أو مر بلمحة منها.
بدأت قصتي مع المشاعر الثورية في بدايات ثورة الياسمين التونسية ...
قيل لي: "هل سمعتي...محمد البوعزيزي أضرم النار في نفسه فانتفضت
تونس"... "قلت متى حدث ذلك"...قيل لي:" الآن ...يبدو أن تونس
ستشتعل قريباً"
بصراحة لم أعلق و لم أهتم.. ربما لأنني لم أصدق أو لم أشأ أن أصدق أو لم
أستوعب ...وربما أيضاً لأنني في داخلي رغبت أن يخرج الشعب المصري من قمقمه ولكنني
كنت قد فقدت الأمل في استيقاظه أوحتى بكائه!
توالت الأيام الثمانية والعشرون ليتنحى زين العابدين بن علي ويهرب إلى
السعودية فأفيق أنا من هروبي المتعمد وأمتلئ زهواً بالشعب التونسي وأتحرق أملاً بأن
يثور المصريون قريباً وسريعاً.
في بداية عام 2011 تسارعت المطالبات بالتظاهر يوم عيد الشرطة المصرية الموافق
25 يناير ولكنني أيضاً فضلت ألا أصدق وإن كنت أتمنى بداخلي أن يفور المصريون وأن
يثوروا مرة واحدة فقط لكرامتهم المهدرة آلاف المرات.
أذكر جيداً أنه في 24 يناير سُئلت:" هل تظنين أن المصريين
سيخرجون"... قلت:"لا...وأنتم"...قيل
لي:"نعم سيخرجون"...فرددت: " أتمنى ذلك من صميم قلبي"، وأنا
كلي يقين بأنهم لن يحركوا ساكناً.
وحدثت المفاجأة ...وخرج المصريون، فانتفضت شوقاً وحباً ونشوة وفخراً بمصريتي و
لكنني في نفس الوقت خفت أن يكون الخروج مؤقتاً وخشيت أن يتمكن الأمن من قمع
المظاهرات فتتحول إلى انكسار ومرة أخرى إلى خمول وسبات.
كل يوم من أيام الثورة حمل معه لحظات ترقب طويلة ومقيتة واسى فيها
المغتربون بعضهم بعضاً عبر الهواتف المتحركة واللقاءات، فتجمعنا حول أجهزة التلفاز
لننتظر ما يحمله القدر لنا سوياً...فنفرح معاً أو نبكي معاً ...
كلنا امتلئنا خوفاً ورعباً من انتشار البلطجية في كل مكان لكن أسرنا الممتدة في مصر كانت أكثر شجاعة منا وجلداً
وصبراً ..." لا تقلقي، إنتشار البلطجية إشاعات ونحن بخير، المهم أن يرحل
الطاغية و لو لم نكن كهولاً لنزلنا"...هذا ماقالته لي والدتي في مكالمة
هاتفية.
و برغم اللحظات التي توترت فيها أعصابي، كل يوم من أيام الثورة حمل لي
أملاً بالانتصار بل وحمل لي معه حلماً بالعودة..إكتشفت حينها أنه ليس شعوري وحدي
بل شعور كل مصري أعرفه أو لاأعرفه والتقيت به أيام الثورة المصرية.
"حتنجح الثورة"..."حيتغير الحال"..."الأمور
حتتحسن" ..."إرفع راسك فوق انت مصري"..."إتكسر حاجز
الخوف"..."عيش حرية عدالة اجتماعية"..."مش عايزين شحاتة من حد"..."مبارك شحت علينا
كتير"..."الفقرا حيعيشو أحسن"..."الشباب حيلاقي شغل"
..."الشباب طلع واعي مش جيل بنطلونات ساقطة"..."حنرجع ..أكيد
حنرجع"..."خلال سنتين تلاتة 2 مليون مصري حيرجعوا نهائي"..."كرامتنا
فوق كل شئ"...
هذه الكلمات رددها المصريون المغتربون و أنا معهم بكل اعتزاز ...نعم شعرت
بصدق هذه العبارات وتخيلتها حقيقة واقعة بل بدا لي أن مصر الحديثة على الأبواب.
و لكن... دوام الحال من المحال !
فبعد مرور عام و شهرين على الثورة المصرية عاد يساورني القلق والخوف وعدم
الثقة في المجهول.. كل ما أقرأه و أشاهده وأسمعه مخيف!
براءات بالجملة لقتلة المتظاهرين...محاكمات هزلية لرموز النظام السابق ...
مبارك في قفص وهمي...قانون تصالح مع "نصابي" النظام السابق... رجال
أعمال هاربون.. أموال عامة منهوبة هاربة...برلمان ثورة خانع ومتسلط...مجلس شورى
صوري...إنتخابات رئاسية مبهمة وبلا صلاحيات..ثورة طُمست معالمها...حكومة حزب وطني
منحل ومجلس عسكري موالي لمبارك...!!!
أواسي نفسي فأقول لها"أعلم أنك أصبتي بالإحباط و الألم و ربما القهر
والعجز أو حتى الإحساس بالعدم...أعلم أنك إكتئبتي و انزويتي و ربما فقدتي
الأمل...إنتظري ...الصبر"
و لكن أي صبر؟ أي أمل؟ أين الحلم؟ أين الثورة ؟ أين الشعب؟ ماذا حدث؟أين الوطن وأين بلادي؟
صحيح أين بلادي؟
ما زالت تعيش في ذاكرتي كلمات شاعرنا المتميز فاروق جويدة:
كم عشت أسأل أين وجه بلادي؟
أين النخيل؟ وأين دفء الوادي؟
لاشيء يبدو في السماء أمامنا
غير الظلام وصورة الجلاد
هو لا يغيب عن العيون كأنه
قدر كيوم البعث والميلاد
قد عشت أصرخ بينكم وأنادي
أبني قصوراً من تلال رمادي
أهفو لأرض لا تساوم فرحتي
لا تستبيح كرامتي وعنادي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق