بعدما انقلب أنور السادات
على الناصريين في أوائل السبعينات فنقل من نقل منهم لدوائر حكومية بعيدة عن مجال
تخصصاتهم وسُجن من سُجن و طُرد من طرد وهُدد من هُدد، اضطر والديا لمغادرة
مصر-غصباً عن إرادتهم و بإرادة النظام- في عام 1975، فذهبوا بي و بإخوتي صغاراً
إلى الأردن التي احتضنتنا لمدة 6 سنوات قبل أن يستقر بنا المطاف بالإمارات.
ومنذ تلك المغاردة الجبرية،
حرص والديا على ألا ننسى مصريتنا وأن تبقى مصر بداخلنا أينما ذهبنا فتعلمنا كل ما
هو مصري أصيل رغم أنني في طفولتي تأثرت كثيراً باللهجة الفلسطينية نظراً لارتفاع
عدد الطالبات الفلسطينيات بالفصل إلى جانب قلة من الأردنيات وقلة قليلة من
المصريين والسعودين واللبنانيين الهاربين إلى الأردن من نيران الحرب الأهلية الحارقة.
وعبر المراحل العمرية
المختلفة، زرع والديا فينا أجمل ما في مصر من قيم وتآخي وتكاتف مجتمعي فلا أذكر
يوماً أننا تربينا على تصنيف المصريين وفق الأنوثة والرجولة أو الإسلام والمسيحية
بل وفق ولائهم لمصر والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
لم أنسى أبداً، تماماً
مثلما صهرت والدتي في ذاكرتي، مشاهد طفولتي بشبرا حيث سكن جدي وجدتي لوالدتي بعد
مغادرتهما بورسعيد في الأربعينات لكي تستكمل والدتي تعليمها المدرسي والجامعي،والتي
ارتبطت بحب اللعب مع "صدفة" بنت بواب العمارة المجاورة ومراجيح الميدان والبومب
في الأعياد وعمارة أجدادي التي سكنها 11 أسرة، منها إثنتان مسلمتان فقط.
لماذا أخص بالذكر الأسرتين
المسلمتين؟
أذكرها ببساطة لأن مخيلتي
لا تزال تمتلئ بقيمة التأخي والتحاب والتلاحم التي عاشتها الأسرتان-إحداهما أسرة
والدتي- وأسرة عم "عطية" مع بقية الأسر المسيحية.
في عقلي الصغير، كنت أعشق
الذهاب إلى الكنيسة مع "بولين" لكي آكل (العيش) اللذيذ والذهاب إلى
مراسم الزواج لكي أسمع (الغناء) وآكل (الملبس)، تماماً مثلما كنت أعشق زيارة بقية
الأطفال المسيحيين عماد وأنسي وألبير في نفس العمارة لكي نتفق على لعب (الكورة
الشراب) في مدخل العمارة عندما يسمح لي جدي وجدتي بذلك.
في نفس الوقت، كنا نستمتع
جميعاً بشراء البرسيم لخروف العيد المختبئ في بلكونة شقة جدي وجدتي الخلفية،
ومعاونة الجيران المسيحيين لجدتي في إعداد وجبة (الفطار) بأول أيام رمضان
ومهاداتهم لها ألذ الأطعمة خلال الشهر الكريم، واختطاف عجينة (كحك العيد) النيئة
بينما يقومون جميعاً بمعاونة جدتي في إعدادها قبل عيد الفطر والذهاب بصواني الصاج
السوداء إلى الأفران لخبزه في مشهد إحتفالي مهيب .
لا أنسى أيضاً (واجب)
التهنئة التي كانت تصطحبني فيه جدتي إلى جيرانها المسيحين في عيد الميلاد المجيد
والزواج والسبوع لألعب مع الأطفال أو حتى زياراتها القصيرة لشقة "أم رفعت"
المقابلة لشقتها إلى أن يأتي جدي من عمله الخيري بالمسجد.
هذا التأخي والتحاب كان
واضحاً أيضاً عندما عدت إلى القاهرة للدراسة الجامعية فكانت جدتي على اتصال دائم بجيرانها
المسيحيين ولا أنسى زيارة جيرانها لها في مرضها قبل وفاتها، تماماً مثلما لم أنسى انقطاع
الكهرباء أثناء عزاء جدي فما كان من جارتي العمر "أم رفعت" و"
إيزيس" سوى جلب البطاريات والمسجل لكي لا تنقطع شرائط القرآن الكريم أثناء
العزاء.
كل هذه المشاهد لم تختفي
يوماً من ذاكرتي ولكنني فشلت في أن أفهم لماذا اختفت من مصر وأرفض قبول اختفائها
من الوطن الأم!
لم يخطر في بالي يوماً أن
يتحول الحكم على مصداقية البشر إلى من هو مسيحي ومن هو مسلم، فننظر في أول لقاء مع
أي مصري على يده (المدقوق) فيها الصليب أو (الزبيبة) في رأسه!
كما يأبى عقلي أن يقتنع بمنطقية أن يقوم محل
كوافير نسائي، مثلما رأيت في آخر إجازة لي منذ سنتين، برفع صوت الراديو إلى أقصى حد
ليسمع المارة أنهم مسلمون بينما يمشي مسيحي في الشارع بقميص مفتوح مرتدياً صليباً
كبيراً ليقول للجميع أنا مسيحي!
ما هذا الكم من الهراء!
ما هذا الكم من السطحية!
ظننت بعد الثورة أن
المشهد سيتحسن ولكن الظهور السياسي للسلفيين زاده سوءً، فنرى أعضاء مجلس شعب يمثل المصريين
جميعاً، يرفضون الترحم على روح البابا شنودة أو الوقوف دقيقة حداد وكأن ذلك الترحم
أو ذاك الوقوف سيضر بالإسلام الذي يعترف في صميمه بأهل الكتاب والديانات السماوية!
وإستكمالاً لهذا الهراء،
أصبح الحكم على درجة تدين المسلمين أنفسهم بمن يربي ذقناً وبمن تملأ رأسه الزبيبة
وبمن تتحجب وبمن يصلي أمام العامة فمن لا يفعل كل ذلك فاسق وعاصي، فدخلنا في ذمم
الناس ونوايا قلوبهم وكأن الله نصبنا قضاة على البشر في زمن خلا من الأنبياء!
إن كنتم قد
تناسيتم أننا جميعاً مصريون شركاء في الوطن، فأريد أن أسألكم: أنتم ترفضون التعامل
مع شركاء الوطن، فلماذا تقبلون شراء فوانيس رمضان البلاستيكية الصينية التي يصنعها
البوذيون؟ لماذا تلبسون الملابس الأجنبية التي صنعها المسيحيون والبوذيون والهندوس
الآسيويون والأوربيون؟ لماذ تركبون السيارات التي صنعها البوذيون اليابانيون؟
أما السياسيون فأود أن
أسالكم ماذا ستفعلون في البروتوكولات الدبلوماسية بين الدول؟ ماذا ستفعلون إن
اضطررتم إلى تمثيل مصر في جنازة رئيس غربي مسيحي أو بوذي أوهندوسي؟ هل انتهت مشاكل
مصر الأكثر خطورة فلم يتبقى لنا سوى التحرش بحرية من ربى ذقنه أو دق صليباً!
رحم الله الإمام محمد
عبده ومقولته الشهيرة: "
كلما زادت الأمة
جهلاً زادت تمسكاً بقشور دينها، وكلما زادت نكوصاً واستعماراً، زاد تجهيلها للغير،
وهجومها على كل ما يأتي منه بحكم العداء العام الذي لا انتقاء فيه" !!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق